محمود محمود الغراب
121
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده ، وفي الدنيا لقلوب عباده ، كما ورد في صحيح مسلم من تحوله سبحانه في الصور ، كما ينبغي لذاته من غير تشبيه ولا تكييف . وفي ذلك يقول رضي اللّه عنه : النار تضطرم في قلبي وفي كبدي * شوقا إلى نور ذات الواحد الصمد فجد عليّ بنور الذات منفردا * حتى أغيب عن التوحيد بالأحد جاد الإله به في الحال فارتسمت * حقيقة غيّبت عقلي عن الجسد فصرت أشهده في كل نازلة * عناية منه في الأدنى وفي البعد ( ذخائر الأعلاق - ف ح 2 / 326 - مسامرات ح 2 - ديوان / 13 ) الغربة والاغتراب : الغربة مفتاح الكرب ، لولاها ما كانت القرب ، القريب هو الغريب وهو الحبيب ، ولا يقال في الحبيب إنه غريب ، هو للمحب عينه وذاته ، وأسماؤه وصفاته ، لا نظر له إلا إليه ، فإنه ليس شيئا زائدا عليه ، ما هو عنه بمعزل ، وما هو له بمنزل ، قيل لقيس ليلى : من أنت ؟ قال : ليلى ؛ قيل له : من ليلى ؟ قال ليلى ؛ فما ظهر له عين ، في هذا البين ، فما بقي اغتراب ، فإنه في تباب ، فقد عينه ، وزال كونه ، العشاق ، لا يتصفون بالشوق والاشتياق ، الشوق إلى غائب ، وما ثمّ غائب ، من كان الحق سمعه كيف يطلبه ؟ ومن كان لسانه كيف يعتبه ؟ ! فأين تذهبون وما ثمّ أين ؟ ! عند من تحقق بالعين . ( ف ح 4 / 377 ) الحب يعمي ويصم : رأيت أخا الحب الذي ليس يقصر * يقال له أعمى وإن كان يبصر ويخبط كالعشواء في حالك الدجى * سواء عليه السهل والمتوعر اعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه ، بحيث يصمه عن كل مسموع ، سوى ما يسمع من كلام محبوبه ، ويعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه ، ويخرسه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه ، وذكر ما يحب محبوبه ، ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى محبوبه ، ويرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبه ، إما عن رؤية متقدمة ، وإما عن وصف ينشئ منه الخيال صورة ، فيكون كما قيل :